هل الغنى الحقيقي في هذه الدنيا؟
يعتقد الكثير من الناس بأنه يمكنهم أن يؤمنوا لأنفسهم حياةً مثالية رائعة خالية من النواقص، تلبي احتياجاتهم إذا صرفوا جهداً أكبر، وحاولوا تحقيق أهدافهم بشكل جدي، وهم يتصورون أن الثروات والإمكانيات المادية تلعب دوراً رئيسياً في تحقيق هذا, وبذلك يمكنهم أن ينشئوا عائلة سعيدة، ويعيشوا حياة مريحة, ويكسبوا مركزاً اجتماعياً جيداً ومكانة عالية بين الناس. وفي الحقيقة فإن إهدار الإنسان لعمره، وصرفه أكثر وقته في سبيل تحقيق هذه الأهداف هو خطاً كبير. فالناس يتناسون تماماً الحياة الأبدية الحقيقية ألا وهي الآخرة، لأنهم قضوا أعمارهم في هذه الحياة الدنيا وهم يفكرون فقط في راحتهم وسعادتهم.
فعلى الرغم من أن أهم وظائفهم هي العبودية التامة لله تعالى, نراهم وقد أنشغلوا بهذه الدنيا, ونراهم يغفلون عن شكر الله تعالى -الذي خلقهم ومنحهم هذا الغنى والمال - على هذه النعم ويجعلون جل هدفهم كسب رضى الآخرين واستحسانهم. بينما بيٌن الله في قرآنه الكريم بأن القيم الدنيوية زائلة وخادعة وليست لها أهمية كبيرة:
اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَ الأولاد كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآخرة عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ(سورة الحديد 20)
فالخطأ الذي يقع فيه الكثير من البشر هو اعتقادهم بأن الآخرة شيء بعيد, أو عدم إيمانهم أصلاً بوجودها مما يجعلهم يعتبرون أنّ الدنيا "أرفع مكانة ً وأسمى من الآخرة, وهؤلاء الأشخاص يتوهّمون عدم فناء الثراء الذي حصلوا عليه, وهم بذلك يعرضون صورة واضحة للجهل والتكبر عند تحويل وجوههم عن النعم التي وعدها الله تعالى لهم في الآخرة مكتفين بما لديهم من متاع زائل. ولقد عرفّ الله تعالى في قرآنه الكريم أحوال مثل هؤلاء الناس ومصيرهم بقوله :
إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ أولئك مَأْوَاهم النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ(سورة يونس 7-8 )
لقد ظهرت أمثال هذه الحالة النفسية طوال التاريخ، فمنذ القدم كان الملوك و الأمراء والحكام والفراعنة يحسبون بأن الغنى سيجعلهم يعيشون مخلدين، حتى أن البعض منهم كان يدفن جزءً من ماله في قبره، وذلك لعدم إعطائهم أي احتمال لوجود قيمة أعلى من قيمة النقود والأموال التي يملكونها, وقد توهّم بعض الناس بأن هؤلاء الأشخاص هم في الطريق الصحيح وظنوا بأنهم هم الفائزون.
والحقيقة أن أمثال هؤلاء الناس الذين يبدو أنهم قضوا حياتهم وهم يتمتعون بها قد واجهتهم نهاية غير النهاية التي كانوا يتوقعونها, والقرآن الكريم يخبرنا عن أمثال هؤلاء فيقول:
أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَا يَشْعُرُونَ (سورة المؤمنون 55-56)
فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أولادهم إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أنفسهم وَهُمْ كَافِرُونَ (سورة توبة 55 )
لكن هناك شيئا مهما يجب ألا يغيب في أي وقت عن أذهان هؤلاء الأشخاص، وهي أن الغنى كله ملك لله تعالى وحده، وأن صاحب الملك الحقيقي هو الله تعالى وهو يوزع حصصاً من ملكه على من يشاء من عباده. وفي مقابل هذه النعم يريد من عباده أن يشكروه، وأن يؤدوا له فروض العبودية على الوجه الصحيح, لذا فإن الشخص الذي منحه الله الغنى لا يستطيع أحد أن يسلبه منه, كما لا يستطيع أي أحد أن يعاونه ويساعده على استعادة ثروته إلا هو، وكل هذا عبارة عن جزء من طبيعة الابتلاء الذي جعله الله للعباد في هذه الدنيا. والمؤمن الواعي والعاقل يدرك هذا الأمر، بينما الشخص الغافل هو الذي ينسى أنه سيأتي يوم يقدم فيه حسابه للذي خلقه :
اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخرة إِلَّا مَتَاعٌ (سورة الرعد 2