" قهوة جدتي "
منذ أن أدركت ما حولي أرتبط في ذهني معنى القهوة فهي جمعة الأحبة . . . فمنذ صغري وأمي وأبي يرددون جملة كانت الأجمل في حياتي ( قهوة جدتك ) ليس لمذاقها فقط بل لتلك الصورة التي رسمتها جدتي وبروزها جدي في جمع الأحبة في مكان واحد يتسامرون ويضحكون وقد يبكون . . تلك الصورة الرائعة التي باتت تنقضي وتندثر في كثير من البيوت . . صورة لو استطعت أن أصورها لدفع كل من فيها أغلى الأثمان فهي تضم تلك الصورة معنى الحب والصدق والإخاء، جميلة تلك الصورة وجميلٌ ذاك الفنجان الذي نستطعم به مذاق صلة الأرحام . . كنا ونحن صغار نلعب بمقربة من تلك الجزيرة التي يحوطها البحر من جميع الجهات البحر المخيف والغامض في نظرة كل إنسان فقد كان الحسد يلزم تلك الجلسة الرائعة من الكثير لدرجة أننا كنا نخفي أصواتنا بأمر منهم لكن لم يبعدونا عنهم ليتأملوا براءة طفولتنا فكثيراً ما كانت ترتسم ابتسامة وتتحول إلى ضحكة ومسامرة بين جدي وجدتي أطال الله في عمرهم.
لم ندرك خطورة ذاك البحر الغدار ففي شاطئه الجمال والراحة وفي باطنه الغدر والخيانة . . فكم تأمل رجال ونساء . . أطفال وكبار غدر البحر فكم بكوا وبكوا . .على أحبابهم فقد ماتوا نعم ماتوا . . ولم يبقى سوا مسرح الجريمة الذي يرسم على شاطئه البراءة وفي مد النظر نرى عيون الحقد والكره . . فهذا البحر ! فماذا عن عيون البشر وماذا عن من يتلبس شخصية البحر . . صحيح لم يقتل لكن فرق جلسة الأحبة والكل بدا يجلس وحيداً يستطعم قهوة جدتي ويصور المشاهد القديمة من مخيلته وهو في بيته بعيداً عن تلك الجلسة . . وباتت جدتي وجدي يتسامرون في ذكريات وبطولات أحفادهم . . وظهر للجميع أن هذا البيت قد صار مهجوراً لا ياطاؤه أحد من قريب او بعيد . . وكل هذا من غدر " بحر " !
فلو تصور لي هذا الغدار بشكل إنسان هل لي أن أقتله أم سيبقى ممثلاً قوياً يمثل لي خيال شاطئ بريء من غدره وأصدقه! . . نعم سوف أصدقه ..لماذا ؟
لأن الجميع صنعوا له سفينة وقدموا له المقود وكتفوا بالجلوس والخضوع له ولأوامره وتفرغوا بتنفيذها . . فالبحر ليس غدار وإنما هو ذاك . . . ! الذي صنع من البحر حيله وخطه وأدارها بإتقان . . فهل للبحر أن يبتسم . . أم حان لذاك الغدار أن يرحل.
سليمان بن عبدالله الظفيري
التعديل الأخير تم بواسطة : بقايا حزن بتاريخ 21-06-2008 الساعة 03:51.
السبب: حرف