وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
لقيت لك هالموضوع ان شاء الله يفيد:
كلا للعنف والارهاب مهما كانت حججه الوطنية والدينية
2004/09/10
نعم للكفاح الشعبي السلمي والعصيان المدني
سليم مطر
من الخطأ والسذاجة الاعتقاد بان الارهابي الانتحاري يضحي بنفسه لحبه لوطنه ودينه. ان الحب الحقيقي الصادق لا يدفع الي الموت ابدا، بل
يدفع الي التمسك بالحياة. ان اليأس والحقد علي الذات وعلي المجتمع هو الذي يدفع بالتضحية بالنفس وهجر الدنيا. ان فاقد الشيء لا يمكن ان يمنحه للآخرين.. وان اليائس والانتحاري فاقد للحب وفاقد للحياة وناقم علي ذاته وعلي اهله وعلي مجتمعه، فكيف يمكنه ان يمنح الحب والامل والحياة لشعبه ولوطنه؟!
منذ اكثر من عام وبدء الاحتلال الامريكي، تهيمن علي بلادنا حالة خراب منظم اشاعها المحتلون، من اجل القضاء، ليس علي النظام الدكتاتوري السابق، بل علي الدولة العراقية ومعها العراق بأكمله ثقافة وتاريخا وبنية مادية ومعنوية. وقد اطلق المحتلون شياطين الدمار في الوطن من خلال اتخاذهم خطوات خبيثة مدروسة ومقصودة، مثل الغاء الجيش والشرطة والقضاء علي كوادر الدولة باسم (اجتثاث البعث) وترك الحدود مفتوحة لمن هب ودب وتشجيع ميليشيات البيشمركة العنصرية لفرض سياسة التطهير العرقي في شمال الوطن وبث الاحقاد وتشريد مئات الالوف من السكان.
من المثير للحزن والاسف ان تشترك في هذه اللعبة الجهنمية اطراف عراقية ذات نوايا وطنية ودينية ساذجة تطلق علي نفسها تسمية (مقاومة) تعتقد ان القتل والتفجير والخطف وتخريب الممتلكات العامة، أمور سوف تجبر المحتلين علي مغادرة الوطن! وهي لطيشها لا تدرك بانها تقدم اكبر خدمة يحلم بها المحتلون واجهزة الموساد الاسرائيلي بالقضاء علي ما تبقي من حياة ومدنية في ارض النهرين.
ان ظاهرة الخراب المتفشية في الوطن تجعلنا نشخص الامور التالية:
1ـ ان الجزء الاعظم من العمليات الارهابية، مدفوعة بصورة مباشرة وغير مباشرة من قبل المحتلين واجهزة الموساد، الذين يؤمنون بان تدمير العراق وارجاعه الي الصفر ماديا وثقافيا سوف يساعدهم علي اعادة بنائه من جديد بكل حرية وحسب قياساتهم الخاصة. بل ان قادة امريكا برروا علنيا وبمناسبات عديدة تشجيع حالة الدمار هذه بحجة جنونية مفادها: تحويل العراق الي ساحة مفتوحة لجذب الارهابيين الاسلاميين في العالم ثم حصارهم وصيدهم !! لهذا ان معظم المسميات الارهابية مثل بن لادن والزرقاوي وغيرها، هي اسماء مصطنعة تتواطأ عن قصد بفبركتها والتطبيل لها الفضائيات (العروب ـ مريكية) بحجة محاربة الاستعمار ودعم المقاومة.. بينما في الحقيقة ما هي إلا منظمات ممعظمها وهمية او مصطنعة امريكيا واسرائيليا لتستخدم كطعم لصيد المغامرين والمقاتلين الاسلاميين. ثم ان هذا الارهاب بالنتيجة يمنح المحتلين المبررات الكافية امام العالم بأن جيشهم ضروري للبقاء في العراق وان مهمته حضارية للقضاء علي الارهاب واطفاء حرائق الوطن. ولتأكيد صحة ادعائهم بان انسحاب جيوشهم سوف يؤدي الي تقسيم العراق!!
2 ـ هنالك اطراف عديدة متنافسة من داخل الحكومة نفسها تساهم وتستفيد من العمليات الارهابية.إذ تقوم بتصفية حساباتها وتعديل موازين قواها من خلال العنف والتفجير والاغتيال وتخريب الوضع علي الاطراف المنافسة الاخري، مثل جماعات الجلبي وعلاوي والبارزاني والطالباني وقوات بدر، وغيرها.
3 ـ ان الدليل المنطقي والبسيط والساطع علي ضلوع الامريكان وقادة الحكومة المؤقتة بعمليات الارهاب هو التالي: انهم حتي الآن لم يقدموا لنا متهما واحدا.. ولم تجر اية محاكمة علنية لأي من الشبكات التي يدعون القاء القبض عليها. نعم .. رغم هذه الآلاف المؤلفة من الضحايا واطنان المتفجرات واشرطة الفيديو ومهرجانات الوعيد والذبح الاعلامية، لم يظهروا لنا حتي الآن ولا حتي ارهابيا واحدا، وكأن من يقوم بكل هذا الدمار ارواح شريرة قادمة من اكوان عليا غير مرئية!؟
4 ـ من الواضح ان سياسة الاحتلال والحكومة المؤقتة مرسومة بصورة شيطانية لكي تدفع المعارضين الي الحل الوحيد المتروك امامهم، الا وهو العنف الارهابي. يلاحظ انه في الاشهر الاولي بعد الاحتلال كانت هنالك مساحة من الحرية تسمح بالمظاهرات السلمية والاحتجاجات المدنية. لكن بعد ذلك فجأة برزت مخالب وانياب المحتلين واتباعهم حيث صاروا يواجهون أي نشاط احتجاجي سلمي بالرصاص والقتل والابادة الوحشية التي لم تختلف ابدا عن اساليب النظام الدكتاتوري البائد. وهذه السياسة البوليسية الوحشية لا بد ان تكون مقصودة ومدروسة من قبل الامريكان لكي تبرر للارهابيين ان يقنعوا الاطراف السلمية بعدم جدوي الكفاح الشعبي السلمي!!
5 ـ ثمة اطراف اقليمية عديدة لها كل المصلحة بابقاء العراق خربا مريضا ضعيفا:
ـ هنالك الكويت، التي تعاني من عقدة الابن الذي يخشي هيمنة ابيه المشاكس الجبار. عقدة الخطر العراقي مـتأصلة في نفوس قادة الكويت منذ ايام الملك غازي ثم جمهورية قاسم، حتي بلغت ذروتها بكارثة الاجتياح الصدامي. رغم كل المتغيرات الجذرية الحالية لم يتخلص هؤلاء القادة حتي الآن من احقادهم. تراهم يحاربون كل شيء عراقي حتي الاغاني والكتب، ويتحالفون مع الشيطان لكي يستمر الخراب. وهم لو تمكنوا لالغوا الوطن العراقي من الخارطة. لهذا يعتقد العراقيون، ولهم ادلة وشواهد عديدة، بان عصابات كويتية هي التي شنت عمليات نهب وحرق وسرقة المكتبات والمتاحف. ودولة الكويت هي التي تشجع أي طرف يعمل علي ديمومة الخراب!
ـ ثم هنالك ايضا ايران التي تعاني تاريخيا من هوس امومي امتلاكي نحو العراق، مثل الام التي لا تريد لابنها ان يكون رجلا، فتعمل المستحيل لكي تبقيه طفلا ضعيفا مخصيا تابعا لها. ومن المفارقات المأساوية الساخرة، ان ايران في العمق والممارسة الفعلية من اشد اعداء شيعة العراق، لانها بكل بساطة اكثر من يخشي استقواء مرجعية النجف ومنافستها لمرجعية قم، وبالتالي تمكن شيعة العراق من قيادة شيعة العالم! لهذا بات معروفا بان المخابرات الايرانية هي التي اغتالت (السيد باقر الحكيم) لأنه بدأ يخرج من سيطرتها بعد عودته الي الوطن. وايران هي التي تدفع بشبكات الارهاب ونشر المخدرات الي العراق، بحجة العمل علي افشال التجربة الامريكية ومنع امكانية اجتياحهم لايران.
ـ اما اسرائيل فحقدها التاريخي المرضي علي ارض النهرين لا يحتاج الي توضيح. هوس العداء والخراب لحضارة العراق مكرس ومكرر في اسفار التورات والتلمود. والعجيب ان من يقرأ التاريخ اليهودي المكتوب من قبل اليهود انفسهم يكتشف ان ثلثي ميراثهم الديني والثقافي قد نشأ في العراق، منذ بابل حتي بغداد العباسية. بل ان معظم انبياء وقديسي وعلماء اليهود مدفونون في العراق. ومع هذا فان اللعنة الابدية علي (نينوي وبابل) تبقي هي التي تصدح صارخة في صلواتهم. وهم يستثمرون بنجاح نفوذهم في التيار الانجيلي المتصهين المهيمن علي الادارة الامريكية.
هذا هو الواقع العراقي المؤلم، معظم الدول التي تحيط بالعراق، بقدرما ترتبط به تاريخيا، مشاعرية وثقافيا ودينيا، بقدما تريد ضعفه وخرابه. نعم فهنالك كما يقال (من الحب ما قتل)!! وعلي النخب العراقية في المستقبل ان تخطط لسياسية اخوية ذكية تعكس هذا المثل تماما، ليكون: (من الحب ما يمنح الامل والحياة)..
6 ـ بالاضافة الي تلك الاسباب التاريخية والاستراتيجية والسياسية التي تدفع الكثير من الاطراف الداخلية والخارجية لتشجيع الارهاب والخراب في الوطن، فان هنالك علي الاخص فائدة مهمة وحاسمة يجنيها جميع الحاقدين علي العراق:
ان هذا العنف والارهاب يبقي علي حالة الخوف والانطواء لدي الغالبية الساحقة من العراقيين. فبعد الانكسار والرعب اللذين زرعهما نظام صدام في نفوس العراقيين، اتت العمليات الارهابية وسيادة لغة السلاح لكي تعمق هذه الحالة السلبية في نفوس الناس وتجعلهم يعيشون في حالة انتظار والم مكتوم وهم يشاهدون يوميا ابناءهم يقتلون وبيوتهم تتفجر ومدنهم يسودها الخراب. ان التأثير الجبار لعمليات العنف والارهاب، ليس تخريب الحياة وحدها، بل الاشنع من كل هذا هو تخريب النفوس وقتل الامل وشل امكانيات العمل والانتاج. ليس بالصدفة ابدا، ان يتم التركيز علي اغتيال الكوادر العراقية والعلماء.. وليس بالصدفة ان توضع الموانع لعودة المنفيين الي الوطن والابقاء علي غلق المطارات.. وليس بالصدفة ابدا ان اكثر من تسعين بالمئة من العراقيين يحلمون الآن بشيء واحد: هجرة البلاد هربا من الموت والرعب.
انها مساومة وليست مقاومة
في ظل هذه الوضعية العراقية المعقدة المتشابكة مثل غابة وحشية حتي اشجارها مفترسة، تحاول بعض الاطراف ان تميز نفسها عن باقي الوحوش الكاسرة التي تصول وتجول في الوطن، من خلال اطلاقها علي نفسها تسمية (مقاومة)! وبالحقيقة ان هذه المقاومة لا تختلف ابدا عن باقي الاطراف التي تريد خراب الوطن، وهي ابدا لا تستحق هذه التسمية، للاسباب التالية:
ـ ان تسمية (المقاومة) تستخدم كغطاء لكل مغامر وطائش وحاقد علي نفسه وعلي اهله وعلي وطنه لكي يعبر عن يأسه الذاتي ورغباته الانتحارية من خلال القيام بعمليات رعونية طائشة تقتل العراقيين والاجانب الابرياء باضعاف واضعاف مما تقتل من المحتلين، علي غرار ما يحدث في فلسطين وفي الشيشان. عمليات ارهابية اجرامية وحشية ليست لها اية علاقة بالشجاعة ولا البطولة ولا الضمير ولا الاسلام.
في اوروبا نفسها هنالك آلاف الاشخاص ينتحرون سنويا، بعضهم بالسم او بالرصاص او بتسلق الجبال او الغرق، بل ان بعضهم من يصدم بسيارته اناسا أبرياء قبل موته او يقتل اهله ومعارفه ثم ينتحر. لكن الانتحاري في اوروبا يموت من دون اية تغطية إعلامية بطولية كاذبة. اما الانتحاري في اوطاننا فانه بكل سذاجة ودجل يعمل علي تغطية طيشه ويأسه وحقده علي ذاته وعلي الآخرين بمسميات بطولية دينية ووطنية لا يقبل بها، لا الله ولا الضمير ولا العقل. والاتعس من هذا ان يساهم الكثير من المثقفين والسياسيين ومعهم الفضائيات (العروب ـ مريكية) في فبركة هذه الصورة البطولية القومية الاسلامية الزائفة.
ـ ان تسمية (المقاومة) تسخدم ايضا كغطاء للكثير من عمليات (المساومة) والمتاجرة والمنافسة بين الاطراف الداخلية والخارجية. اذا كانت (المعارضة العراقية) السابقة قد نشأت في احضان امريكا وانكلترا واسرائيل، فان ما يسمي بالمقاومة العراقية الحالية تنشأ وتتوالد في احضان كل من هب ودب من جميع انحاء العالم. كل دولة لها مصلحة ما في العراق راحت تبحث عن شخصيات عراقية تدفع لها المبالغ والرواتب حتي يكونوا لهم منظمة ما، حتي ولو بعضو واحد، ثم يصدروا بيانا ما، ويفقسوا بعض التصريحات الطنانة لبعض الصحف والفضائيات، ثم يجندوا بعض الشباب المساكين لكي يضعوا لهم قنبلة هنا او يخطفوا عاملا هنديا او مصريا هناك، لكي يساوموا حكومته او اهله علي اطلاق سراحه!!
بل هنالك شركات عالمية تدفع لبعض ما يسمي بالمقاومة لكي يفجروا انابيب النفط لترتفع اسعار النفط العالمي! بل هنالك شركات تدفع للمقاومة لكي يتم خطف عمال شركة منافسة! بل هنالك دول مشتركة في قوات التحالف تدفع الاتاوات للمقاومة لكي يتم تجنيب جنودها عمليات ارهابية! بل الاتعس من كل هذا، هنالك اطراف في المقاومة تقبض الاموال وتنسق مع شبكات اسلامية عربية وعالمية تابعة خفية للموساد الاسرائيلي، لكي تقوم بعمليات ارهابية تشوه صورة الاسلام والمسلمين في العالم!!
لنرفض هذا الارهاب مهما كانت مسمياته.
امام هذا العنف والخراب والزيف المهيمن، ما علينا الا ان نوجه نداء:
ـ الي ذوي الضمائر الحية في الاطراف العراقية الماسكة بالحكومة الحالية، ان يقدموا لنا المتهمين الحقيقيين عن هذه العمليات الارهابية. نريد محاكم علنية وكشفا اعلاميا ومراقبة دولية لاجراءات الكشف. ان صمتكم وبقاءكم في السلطة مهما كانت مبرراته الاخلاقية والسياسية يعني عمليا تواطئكم وتعاونكم مع الماسكين بمشروع الخراب القائم في وطننا.
ـ الي ذوي الضمائر الحية من النخب الثقافية والدينية والسياسية في العالمين العربي والاسلامي. اعلنوا رفضكم تبرير هذا العنف وهذا الزيف وهذه اللعبة الجهنمية التي تعمل علي تدمير اوطاننا بالاضافة الي تشويه سمعتنا والقضاء علي أي امل لدي الناس وجعلهم يخجلون ويستنكفون حتي من دينهم، حيث نجحت (شباك الموساد الاسلامية) ان تجعل كلمة (الاسلام) رديفة للعنف والدم والقسوة الوحشية.
ـ الي ذوي الضمائر الحية من النخب العراقية الدينية والثقافية والسياسية.. الي كل الوطنيين الشرفاء من الواهمين بان العنف والمقاومة المسلحة يؤثران علي المحتل.. الي كل متعلم وكادح يريد ان تبقي الحياة في وطننا ويبعد عنه آفات الطاعون العصري، الارهاب والعنف والخراب.. لنصرخ جميعا بصوت واحد وبقلب واحد: لا للغة السلاح والدمار.. لا لكل شعارات العنف والخراب مهما ادعت الدين والوطنية.. نعم للكلمة الحية الصادقة.. نعم لرد الاعتبار للانسان العراقي الذي غيبته الدكتاتورية والآن تغيبه لغة السلاح.. نعم للكفاح الشعبي السلمي والعصيان المدني والمظاهرات المليونية التي تطالب بكرامة العراقي وامنه وحريته..
كاتب من العراق يقيم في جنيف
"القدس العربي"