منازل صغيرة على جانبي الطريق....والكثير من الناس يخطون هنا وهناك....
صوت امرأة رقيق ينادي عبر شذى الأزهار....وصوت أجش لرجل يصيح بأرخص أسعار الأواني....
شاب يعبر الرصيف، يجر خلفه عربة مليئة بالبطيخ....، وآخر يحمل الصُحف في يده، ويصرخ بأهم الأخبار......
طفلتان، في يد كل واحدةٍ منهما الحبل، يحركانه بشكلٍ دائري والثالثة تقفز فوقه بضحك....
تقترب رابعة منهن....، ذات شعر داكن،متوسط الطول، رُبط بشريطةٍ بيضاء....، وفستان أبيض قصير....
يصحنْ بها أن هيا للقفز معنا...تهز رأسها برفض وبابتسامة اعتذار....
تخبرهم بطفوليّة:
" إنني أنتظره "
يتسمرنْ في أماكنهن....وتسألها صاحبة العينين الخضرواين:
" تنتظرين من..؟ "
تصمت الفتاة للحظة، وتميل برأسها، وبعدها تلتفتْ وتشير بإصبعها وتقول:
" لقد جاء....."
.
.
.
من بعيد....رجل في نهاية الحلقة الثالثة من العمر، أسود الشعر...
صاحب عينين صغيرتين داكنتين....،لحية خفيفة، شارب أسود واضح على وجهه، وبِضْع شعيرات بيضاء تناثرت هنا وهناك....
فور أن أنزل الصندوق....، بدأ العديد من الأطفال الجَري نحوه بسعادة....
استقبلهم بابتسامة بشوشة....وأخذ يداعبهم...
وبعدها بهدوء، قام بفتح الصندوق....
وإخراج معداته....
وفي أقل من دقائق....، تعالت أصوات الاطفال أكثر وهم يروْن مسرح الدمى الصغير أمامهم....
.
.
.
طفلة الفستان الأبيض، أشارت بيدها لصديقاتها...وعيناها تتسعان بفرح:
" سيحكي حكاية "
***
جميع الأطفال جلسوا القرفصاء، والبعض مدّ قدميه، والآخر استند على إحدى العربات الواقفة على الطريق....
والفتيات الأربع...جلسن في المقدمة يتهامسن ويضحكن، عدا ذات الأبيض....
كانت تراقب الرجل، وهو يتحدث إلى الاطفال، أثناء انهماكه في تجهيز المسرح الصغير....
وأخيراً........انتصب الرجل أمامهم وسأل بصوتٍ مليء بالبهجة:
" أية قصة تودون سماعها يا أعزائي...؟ "
صاح أحد الأطفال:
" ليلى والذئب! "
استاء جميع من معه، وصرخوا به باستهزاء:
" جميعنا نعرفها........"
فأجاب الصبي بغضب:
" أريدها!! "
فتردد صوت الرفض، واشتد النقاش على الصغار...، فكتم الرجل ضحكة وهمس لذاته:
" يا للأطفال... "
.
.
شعر بشعورٌ غريب، فسقطت نظراته على نظرات طفلة الأبيض، التي كانت تتحدث بصمت....
وكل، يدٍ من يديها على ذراع الأخرى...
.
.
أجفل...وبعدها أشار للأطفال بالصمت، فصمتوا جميعهم والاستفهام يحلق حول رؤوسهم الصغيرة...
سأل الطفلة:
" أية قصة تريدينها...؟ "
انزعج الأطفال...وابدو استيائهم بسذاجة، ولكن الرجل علل اختياره لها، بأنها الأكثر هدوءاً...وما كانت كذلك....
كان يعلم في قرارة ذاته...، أن هنالك بركان يتفجر في داخلها، سيثير الإزعاج بشكلٍ مثير....
نظرات الطفلة، كانت ثابتة على الرجل بقوة وتركيز...وملامح وجهها كانت خالية من المشاعر...
أحنت رأسها لوهلة، وبعدها أجابت باقتضاب:
" ابنة القرية "
ابتسم الرجل بمكر........وأومأ رأسه بالإيجاب...
.
.
قالت طفلة:
" نحن لا نعرفها..."
قال الرجل:
" وستعرفينها الآن.."
***
اختبأ الرجل خلف الستار....وتجلى للأطفال صوته...، لكن مع صوت موسيقى هادئة...
على أنغام خافتة....وجوٍ قروي لا يميّزه إلا من سكنها ذات خيال....
ظهرت دمية....لفتاة قروية....، للدمية عينان صغيرتان، خرزتان تلمعان بشدة....
وخيوط سوداء تدلت على كتف الدمية.....
ترتدي رداءً سمائي اللون، وابتسامة غباء على وجهها...
وفي يدها، عصا الراعي...
تحركت الدمية لليمين ولليسار، وبعدها ظهرت بضع خراف بيضاء قطنية، جعلت الأطفال يضحكون.....إلا طفلة الفستان الأبيض...
كانت تحدق بصمت......................
بدأ الحديث عن القصة والتمثيل في آنٍ واحد:
(( كان يا مكان، في قديم الزمان....من بين الجبال....وخلف أسوار الخيال.....
في قرية صغيرة.........ذات حقولٍ كثيرة.....
فتاة شابة....اعتادت مع شروق الشمس، الشروق من بحر النوم لشاطئ العمل....
تملأ الدلو بالماء......وتتبعثر القطرات على وجهها....
تجمع شلالها الأسود بربطةٍ قروية بَحرية اللون..
وترتدي لون السماء...وتلتقط بيدها عصا أبيها الذي عانق التراب مذ سنةٍ مضت....
تخرج لمزرعتها....وتعبث مع الخراف....
تجمع سنابل القمح الذهبية....في السلال....وتُلقي بالحبوب ليأكل الدجاج....
تقوم بحلب الأبقار.....وتسحب الخيول للإسطبل....
تقتلع النباتات الضارة....وتغرس بذور الحب في الحقول بعد حرثها....
في كل يومٍ.......تأخذ قطيع الخراف للتلال الخضراء لترعى هناك...
حافية القدمين...........تشدو أثناء عملها بأملٍ وتفاؤل يملأ كيانها.....))
.
.
أثناء تحدث الرجل......أضاء من خلف الستار نور.....
فظهرتْ تلك القروية البشرية أمام الأطفال...
وكلما نطق الرجل كلمة، أو حرف أو فعل...كان المشهد يتمثل للأطفال من خلف المسرح....
فتناسى الجميع الدمية المتحركة، وانتصبت نظراتهم على شاشة النور...
.
.
(( .......عبر هذه القرية بشكلٍ عام....وبالمزرعة بشكلٍ خاص........، عبرها العديد من الرحّالة....منهم، من قدم إليها على الخيل الأبيض....والبعض جاء على عربة الذهب...والآخر كان كعابر سبيل......
جميع هؤلاء.......وقعوا في غرام القروية.....التي كانت تقابلهم بابتسامة....واعتذار عذب....
فلقد " شعرتْ " بالحب ذات وهم.........ولم تدرك ذلك، حتى ترك هذا الحب وشمه على كتف أحاسيسها............................
وقررت بعد ذلك ألا تسمح بهذا القاسي أن يهاجمها مرة أخرى....
فاكتفت بالانتقام لنفسها...........بإيقاع ضِعاف الأنفس في شِركها المتواضع....
بحديثها الرقيق....وصدقها المزيف....وثقتها اللا مفهومة....
كانت تنكرهم........وتبصقهم بسعادة.....
ما كانت تريد ذلك....ولكن السيطرة، لعبة رائعة....، إن أتقنتها......ملكتَ العالم بأجمعه!...
.
.
مضت الأيام....وهي تستمتع بهذه الحياة الرتيبة....، فعلى الرغم من كدّها في العمل....
ومعاملة الغير بالطيبة...........إلأ أن الرجال في نظرها نسخة واحدة....
يسهل خداعهم............وتدميرهم ببطء....
كانت واثقة، من أن حواء، وإن وُلدت من ضلع أعوج لآدم...إلا أنها القادرة على تسيير آدم في خط مستقيم!!
ولقد أثبتت نجاح هذه النظرية بفخر.........................
وكما تعلمون...فإن احتمالية فشل المحترف ضئيلة....ولكنها أصابتها....
فلم تهتم بأحدٍ بعدها....وكانت تركز على العمل في مزرعتها....مع الطبيعة....
مع الخيال....................حتى قدم ذاك اليوم مُشهراً سيفه في وجهها....
ونجح سلطان الحب في السيطرة على " المُسيطرة " مرة أخرى!
فوقعت في حب رجلاً.....في قلبه امرأة....
لم تعي ما تفعل.....
استقر في قريتها مدة من الزمن....وكان يكتفي بإلقاء التحية عليها وهي تدندن بالعصا....
أو يجلس على الصخرة التي تقابلها ويتحدث في شتى المجالات...
والفتاة القروية كانت تنصت إليه وتبادله الحديث، والشجار في بعض الأحيان عندما كان يغضبها...
صارحها بوجود امرأة تحتل قلبه....
فتفاجأت منه....وارتبكت...وأصبحت تختار كلماتها بحرص، قبل إطلاقها في سماء الحديث...
وفي أحد الايام...
وبينما هي تملأ دلوها بماء التفكير.....فاجأها بخاتم الحب....، وانكسر الدلو، وانسكبت مشاعرها المحبوسة تخالط اضطرابها حين عانق الخاتم إصبعها....
.
.
أحبته بكيانها....وتمردت على مشاعرها القديمة.... تحت اسم " الجنون "....
على الرغم من تيقنها، أنه يحبها...ويحب الأخرى....
.
.
هبوب رياح الحزن، كان يضايقها....فالشعور بالذنب والتطفل كان يعتريها....
فما عرفت، أهي خاطفة الرجال......أم سالبة العقول....ومدمرة القلوب...ومفرقّة الأحبة....
ما توقعت ذلك.....فلقد ظنت أن الطبيعة ستحتضنها والخيال سيحتويها....
ولكن الآن الحب يعانقها إلى صدره عنوة...بعد أن تبرأ العالم منها...
.
.
في نهاية قصتهما.....حَكَم القدر عليهما بالفراق.....
فكيف لفضولية التمسكن في قصر حبيب.....يحتضن بين الضلوع امرأة....
.
.
في داخلها، لم تكره هذه المرأة.....................إنها " الغيرة "....
ألا تستحق أن تملك قلباً واحداً....لا يحتوي إلا قلبها؟
المضي في الأمر كان ظلماً لتلك المرأة....
فلقد ظلمتْ العديد من الرجال..................ولا ترغب الآن في تكرار ذلك مع اثنين...
لذلك....وفوق تلك التلة....
ودعته وخاتم الحب يتلألأ تحت أضواء النجوم...
ودعته من على التلة الخضراء التي شهدت ليالي السَمَر...
ودعته بدموعٍ ماسية تتساقط على وجنتيها....
ودعته بقسمٍ أنها لن تحب غيره.......ولن تقترب من أي " آدم " آخر....
ودعته وهي تلوح بأنها ودعت الحياة أصلاً...وأن الموت يستقبلها....
بالعودة لمزرعتها....لعملها....علّ الخيال يُنسيها....وعلّ الحلم الوردي يموت مختنقاً تحت الوسادة...)).
***
انسدل النور/ الستار وظل الأطفال صامتين
فجأة، صاح أحدهم:
" لم أفهم شيئاً!!!!! "
خرج الرجل من خلف الستار...وهو يقهقه:
" إذاً انتظروا للغد، وسأحكي لكم حكاية ستفهمونها حتماً "
تمتم الأطفال....وغادروا جميعاً بضحكات رضا....إلا ابنة الأبيض كانت واقفة تنظر للرجل....
اقترب منها، وربت على شعرها.......وكانت تنظر إليه بجديّة امرأة....
قدّم دمية القروية إليها...وهو يبتسم...
تناولت الدمية منه، وأخذت تحدق إليه وهو يجمع حاجياته....
.
.
أجفلت الطفلة...والتفتت للخلف....، فإذ بامرأة في سنِّ الرجل تقريباً....
ترتدي رداءً طويلاً محتشم مائي اللون....
شعرها متوسط الطول، رُبط بشريطة داكنة، وبعض الشيب كان يغزو مقدمة رأسها....
وخاتم، نُقش عليه حرفيين، يصعب تمييزهما...ولكن البريق كان واضحاً...
دمعة ساقطة.................اضاءت بشكلٍ حاد، تلاعب بريقه للحظة....
أجفل الرجل ونظر خلفه....وحدق بالمرأة بعين صدمة...
.
.
تراجعت المرأة للخلف، والتفتت وأخذت تخطو ببطء...ورداءها الطويل يزحف خلفها حتى اختفت بين الناس....
وضع الرجل الصندوق على ظهره....وابتعد حانياً رأسه...حتى اختفى بين الناس....
وظلت الطفلة لفترة في المنتصف، وفي يدها دمية القروية....وبعدها جاء صوت من بعيد يناديها:
" ألن تأخذي عصا جدّك المتوفي...وتعودي إلى العمل.....بسرعة.....فلا يجب عليك التأخر على التلة كَالأمس! "
رفعت يديها إلى شفتيها، وأحنت رأسها تحت غمامة خيبة......اتجهت لمصدر الصوت...............،.وتناولت العصا....وحدقت بها............................وعضت شفتيها.
***
الدمية كانت ملقية على الأرض...والعصا بجانبها....
لا بصمة ليدها على جدار الاختفاء....ولا خطوة لقدميها الصغيرتين على أرض السؤال....
انتشر خبر تلاشى الطفلة....
نطق طفل بأنه شاهد ما حدث قبل أن تختفي ذات الأبيض....
ووصف للجميع أوصاف المرأة التي كانت تحدق بالرجل والطفلة....
وشاع أن تلك المرأة، لم تعش في القرية أبداً...وأنها في اليوم الذي ظهرت فيه، اختفت فيه...
أما عن الرجل.................فلم يظهر مرة أخرى.