في لحظة ما من العام الماضي قررت أن أتوقف تماما عن شراء حقائب فندي و إيف سان لوران و سيلفادور فيرغامو و أستبدلها بحقائب عادية تؤدي نفس الغرض! قد ترون أن هذا القرار أمر تافه أو شخصي, و لكن المسألة أكبر من مجرد مقاطعة بعض البضائع, و السر يكمن في سبب المقاطعة.... لقد اكتشفت يا سادة يا كرام أن هناك (بشر) مثلنا يعيشون في سراديب مظلمة و قذرة في بلادنا بينما تتنعم (أدوات) مكياجي و محفظتي و مفاتيحي بالراحة والرفاهية التامة و أنا أحملها في حقيبتي الفندي!!
منذ أكثر من عام كنتُ قد انخرطت في بعض النشاطات الخيرية لأول مرة في حياتي و لشدة حماسي و حبي لهذا النوع من العمل أثمر الأمر عن قرار المجموعة التي كنتُ أعمل معها بتعييني رئيسة للنادي الخيري الذي انضممت إليه بدافع الرغبة في التغيير و اكتشاف الجديد!
لم أكن أعلم أن تلك التجربة القصيرة في نادي يللا بنات الخيري ممكن أن تغير مجرى تفكيري إلى الأبد!
بحكم رئاستي للنادي أصبحت لي علاقات عامة كثيرة جدا و أصبحت تأتيني طلبات لزيارة دور الأيتام و بعض الأسر الفقيرة و الجمعيات الخيرية....
و بعد كل زيارة كان يتولد لديّ شعور بالحزن الشديد و بالزهد في هذه الدنيا بسبب سوء الأحوال التي كنتُ أراها في تلك الجمعيات و البيوت...
و دعوني أصور لكم مقتطفات مما شاهدته و لمسته بنفسي خلال عملي في النادي... جهزوا أنفسكم و اعتبروا أنكم تشاهدون فيلما سينمائيا لا يلقى شعبية لدى الجماهير... في أحد دور الرعاية الاجتماعية في جدة: دخلت هذا الدار بصفتي أريد التبرع و خرجت منه و أنا أريد تأديب من فيه!!
هل تذكرون مسرحية "هالة حبيبتي" التي تحكي قصة فتاة يتيمة تتعرض للظلم في دار للأيتام؟؟ ما حدث في تلك القصة لم يكن أبدا ضربا من خيال أو شطحة من شطحات كاتب!!
دار الرعاية الذي زرته في جدة كان وضعه أسوأ من وضع الملجأ في تلك المسرحية!! دار الرعاية ذاك لم يكن فيه أدنى نوع من الرعاية سواء الطبية أو الصحية أو الإنسانية أو التربوية!!
الإهمال – بجميع أنواعه – واضح في كل ركن من الدار و على وجه كل طفل يعيش هناك بدون كرامة و آدمية!!
قابلتُ في ذلك الدار سامية....فتاة في السادسة عشر.... تعليمها متوسط ... يستغلها المسئولون عن الدار لمساعدتهم في الاعتناء بالأطفال الصغار و هي بدورها و "بجهلها و صغر سنها" لا تعرف كيف ترعى "زملاءها" الأيتام إلا بالضرب أو التهديد بالحرق!!
سامية مراهِقة يتيمة و مقهورة تُجبر على العمل في المكان الذي يجب أن تُخدم فيه و يقدّم لها التعليم المناسب و الرعاية التي تحتاجها!! سامية تدخن خفية عن مشرفات الدار و تسمع الأغاني خفية عنهن أيضا لأنه وفقا للتعاليم الإسلامية فإن سماع الأغاني حرام!!
أما الظلم و الضرب و الاستهتار بالأمانة و بالعمل من قبل المشرفات ليس بحرام!! سبحان الله!! في زيارة لعدة جمعيات خيرية: وظيفة هذه الجمعيات الخيرية تقتصر على جمع التبرعات العينية و النقدية من فاعلي الخير و أصحاب القلوب الرحيمة لإعانة تلك الجمعيات على تربية الأيتام الموجودين لديها...
معظم الأيتام الذين رأيتهم في تلك الجمعيات هم من النيجيريين و الإيثيوبيين و الإندونوسيين ... يبقى هؤلاء الأطفال في دار الأيتام لأن أصحاب القلوب الرحيمة لا يحبون مظهرهم و لا يبحون أن يتبنوا طفلا أسودا أو أفطسا!! الأطفال الذين يتسمون بالبشرة البيضاء و جمال التقاطيع هم المرغوبين لدى من يريد كفالة يتيم!
مشرفات هذه الجمعيات المتعلمات و الواعيات قليلات جدا, و البقية إما فلبينيات و حبشيات أو سعوديات يتمتعن بنسبة كبيرة من الجهل و عدم الوعي التربوي و الاجتماعي و الديني!! جولة بالسيارة في أحد الأحياء الفقيرة جدا: في جولة يسودها الرعب و الدهشة و الترقب في أحد أحياء جدة الفقيرة رأيت بنفسي كيف يعيش الناس .... الناس الذين تفصلنا عنهم – ماديا و فكريا – بحار و محيطات و جبال!!
قبل أن أرى أي شيء في الحي , استقبلتني أصوات الشتائم القذرة التي كان يتقاذفها أبناء الحي بينهم و بين بعض و كأنها كلام "عادي" أو ربما حوار أخوي!!
"***** أمك!*****أختك!!*****أبوك!!! يا ابن الـ*****!! يا ولد الـ********"
كلام و كأنه موسيقى خلفية مزعجة لفيلم تجاري من الدرجة السبعين!
شوارع الحي غير معبدة يغطيها التراب و الأحجار و "المطبّات" ... أما حافظات الزبالة فلا وجود لها لأن الأوساخ تقبع مرتاحة على جوانب الشوارع و البيوت و كأنها جزء من مخطط تلك الأحياء!
بعد أن توغلنا قليلا في الحارة ... تعالت أصوات الشتائم لنشهد معركة بين بعض شباب الحي .... ثيابهم لا معالم لها... و وجوههم خالية من التعبير... بل تحسها بلا ملامح و كأنهم ليسوا منا!! التراب و الغبار يتطاير من حولهم جاعلا الرؤية أكثر إعتاما و التنفس أكثر صعوبة!
و بعدها بقليل انفضت المعركة و تعالت الضحكات الغريبة السوقية و المفردات (الودية) التي لا مكان لها في أي قاموس نعرفه!!
مشكلة هذه الحارة ليست الفقر وحده , بل الجهل و سوء الأدب و التربية و التهذيب!!
انتهت جولتنا السريعة في ذلك الحي و بعدها بأقل من نصف ساعة كنا قد وصلنا إلى شارع التحلية.... شارع ينتمي إلى نفس المدينة التي ينتمي إليها ذلك الحي الفقير, و لكن الناس غير الناس و المناظر منسقة و مجهزة بإتقان لتناسب الذوق (الهاي)!
هذه المشاهد هي غيض من فيض مما يحدث في واقع حياتنا في بلد غنية مثل السعودية!!
عندما أفكر فيما يجب أن يتغير في هذه البلد أقفز فورا إلى أمران لا ثالث لهما: الجهل و الفقر!! و بعد كل هذا.... هل ترون مكانا لحقيبة فندي أو إيف سان لوران في حياتي؟؟ أشعرأن كل ريال أصرفه على ملابسي و كمالياتي الغير منتهية هو مدعاة للخجل من الله! حقيقة للتفكُر:
بعملية حسابية بسيطة فإن سعر حقيبة من هذه الحقائب (5000 ريال) يساوي 11 راتب من رواتب أسرة فقيرة مثل أسرة من الأسر الفقيره
إن أي حقيبة باهظة الثمن يمكن أن تحل محلها أي حقيبة رخيصة لها نفس السعة و تحمل نفس الأغراض!! إن ثمن حقيبة الفندي يمكن أن نفتح به بيتا لأسرة كاملة ليس لديها حتى خزائن عادية تضع فيها ثيابها!!
و كثير من الاسر لا يجدون ما يأكلون... يظلون أياما بلا طعام على الإطلاق و نحن لا نفكر أبدا في الطعام لأننا لم نحرم منه على الإطلاق!!
كل ما نفكر فيه هو "إكمال الكماليات"!!!
كل حذاء ويجب أن تكون له حقيبة و كل فستان له حذاؤه الخاص و اكسسوارته المناسبة و كل مكان له عباءته المخصوصة و كل سهرة لها مكياجها المميز و كل فرح لابد أن تسبقه رحلة "ترفيهية" إلى الكوافير!!
و إذا حدث و شعرنا بمآسي الفقراء , فإننا نذرف بعض الدموع الرخيصة و نتصدق ببعض العشرات و نفرح بعملنا الصغير و نحسبه (تغييرا) كبيرا في المجتمع ثم ننام مطمئنين و نحن نشعر براحة نفسية لأننا أدينا واجبنا نحو الله و ساعدنا الفقراء.... فبئس الراحة راحتنا!! و لا تظنوا أني إنسانة مثالية و أعيش في ثياب مهلهلة و هيئة رثة تعاطفا مع الفقراء و لكني بعد تلك التجارب التي مررت بها أصبحت لا أضع قرشا واحدا إلا في مكانه الصحيح و أصبحت أحاسب نفسي حسابا عسيرا قبل أن يحاسبني الله يوم القيامة عن مالي فيما أنفقته.... بصراحة لا اجرؤ يوم الحساب أن أقول لله تعالى: لقد كنت أصرف شهريا ما بين 5 إلى 10 آلاف ريال على حقائب و أحذية و بعض الكماليات!! فهل تجرؤون أنتم على هذا؟؟
ماذا أريد من هذا كله؟؟ أن نتحول إلى فقراء و قد أغنانا الله؟؟ بالطبع لا...و لكن ما أريده هو أن نشعر بمعاناة الفقراء و نشكر الله على نعمه من ناحية و من ناحية أخرى أدعو كل شاب و فتاة أن يجعل القضاء على الفقر و الجهل جزءا من أهدافه في الحياة.... صدقوني إن كل الكتب التي نقرأها و كل الثقافة التي نعيشها لا تساوي شيئا بدون عمل.... فليبدأ كل واحد بنفسه و بالأحياء المحيطة به ... ليبدأ كل واحد بالتفكير في أسلوب بسيط و غير مكلف للقضاء على مشكلة الفقر و الجهل التي تفتك بمجتمعنا و التي لا تجعل لإصلاح و بناء المصلحين أي قيمة!!
فكروا معي.....ما الذي يمكن أن نفعله لنحسن هذا الوضع في بلادنا؟؟ و هل يكفي أن نقاطع رفاهيتنا و إسرافنا و نبتر غلونا في التكلف و التجمل؟؟
أريد تفكُرا واعيا في هذه القضية فهي قضيتنا جميعا حتى و إن كنا نعيش في بيوت فاخرة و تبعد عن "أعيننا" مآسي الواقع!!
اعذروني اخوتي على الاطاله وعلى جرئة الطرح لكن ان راي من راي هذه الكاتبه واوافقها مليون بمائه
لاني رأيت اغرب وابشع من ذلك وكل هذا المناظر أراها يوميا اتمنى ان تعذروا جرأتي واطالتي
ولكم مني ارق تحيه
اختكم:فراولة
التوقيع
اتأسف عن انقطاعي الفترة السابقه (لاانقطاع بعد اليوم )ان شاء الله
(اللهم فك أزمتي ولاتبعدني عن من احب فأنت القادر على كل شي )
"ولاتحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون"
هذا ظلم للأيتام و ماأقساها من معامله..أيـــــن هؤلاء الناس من قول رسولنا الكريم عن كفالة اليتيم وجزاءه..
والله لايعرفون جزاء كفالة اليتيم والأهتمام به فقط ضاع عليهم هذا الأجر العظيم..
"إياك ودمعة اليتيم , ودعوة المظلوم فإنها تسري بالليل والناس نيام"
لاحول ولاقوة إلابالله العلي العظيم..
شــــــــــكراً فراولة على الموضوع القيم..........
وجـــــــزاك الله خيراً
"ولاتحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون"
هذا ظلم للأيتام و ماأقساها من معامله..أيـــــن هؤلاء الناس من قول رسولنا الكريم عن كفالة اليتيم وجزاءه..
والله لايعرفون جزاء كفالة اليتيم والأهتمام به فقط ضاع عليهم هذا الأجر العظيم..
"إياك ودمعة اليتيم , ودعوة المظلوم فإنها تسري بالليل والناس نيام"
لاحول ولاقوة إلابالله العلي العظيم..
شــــــــــكراً فراولة على الموضوع القيم..........
وجـــــــزاك الله خيراً
حاولت ان ارد واعبر عن ردة فعلي لما قراته من شيء يدمي القلب